الشنقيطي
199
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقوله : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها [ النمل : 89 ] ، وقوله في هذه الآية حَسَنَةٌ أيّ مجازاة حسنة بالجنة ونعيمها . والآيات في مثل ذلك كثيرة . قوله تعالى : وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ [ 30 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن دار الآخرة خير من دار الدنيا . وكرر هذا المعنى في مواضع كثيرة ، كقوله : وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ [ القصص : 80 ] الآية ، وقوله : وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ ( 198 ) [ آل عمران : 198 ] ، وقوله : بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 16 ) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 17 ) [ الأعلى : 16 - 17 ] ، وقوله : وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ( 4 ) [ الضحى : 4 ] ، وقوله : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ( 14 ) قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ [ آل عمران : 14 - 15 ] الآية . وقوله خَيْرٌ صيغة تفضيل ، حذفت همزتها لكثرة الاستعمال تخفيفا ؛ وإليه أشار ابن مالك في الكافية بقوله : وغالبا أغناهم خير وشر * عن قولهم أخير منه وأشر وإنما قيل لتلك الدار : الدار الآخرة ؛ لأنها هي آخر المنازل ، فلا انتقال عنها البتة إلى دار أخر . والإنسان قبل الوصول إليها ينتقل من محل إلى محل . فأول ابتدائه من التراب ، ثم انتقل من أصل التراب إلى أصل النطفة ، ثم إلى العلقة ، ثم إلى المضغة ، ثم إلى العظام ، ثم كسا اللّه العظام لحما ، وأنشأها خلقا آخر ، وأخرجه للعالم في هذه الدار ، ثم ينتقل إلى القبر ، ثم إلى المحشر ، ثم يتفرقون يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً [ الزلزلة : 6 ] فسالك ذات اليمين إلى الجنة ، وسالك ذات الشمال إلى النار وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ( 14 ) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ( 15 ) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ ( 16 ) [ الروم : 14 - 16 ] . فإذا دخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار - فعند ذلك تلقى عصا التسيار ، ويذبح الموت ، ويقال : يأهل الجنة خلود فلا موت ! ويأهل الجنة خلود فلا موت ! ويبقى ذلك دائما لا انقطاع له ولا تحول عنه إلى محل آخر . فهذا معنى وصفها بالآخرة ؛ كما أوضحه جل وعلا بقوله : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 12 ) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 13 ) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( 14 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ